مصطفى صادق الرافعي

30

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

رأى ما وقع في الشعر وروايته ، وأن الاختلاف كان بابا إلى الزيادة والابتداع ، فلم يفعل شيئا أكثر من أنه حصّن القرآن وأحكم الأسوار حوله ، ومنع الزمن أن يتطرّق إليه بشيء ، وجعله بذلك فوق الزمن . ولم تكن المصاحف التي كتبت قبل مصحف عثمان على هذا الترتيب المعروف في السّور إلى اليوم . فإنما هو ترتيب عثمان « 1 » أما فيما وراء ذلك فقد رووا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا نزلت سورة دعا بعض من يكتب فقال : ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا ، فكان القرآن مرتب الآيات ، غير أنه لم يكن مجموعا بين دفّتين ، فلا يؤمن أن يضطرب نسق مجموعه في أيدي الناس باضطراب القطع التي كتب فيها تقديما وتأخيرا : ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور ، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية « 2 » فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته ، ويتبع ما فاته على حسب ما تسهّل له أكثره أو أقله ، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدّم وتقديم المؤخر ، فلما جمعه أبو بكر برأي عمر كتبوه على ما وقفهم عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم كانوا في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف منتسقة السور على ترتيب ابن مسعود ، وترتيب أبيّ بن كعب ، وكلاهما قد سرده ابن النديم في كتابه ( الفهرست ) ، وقال ابن فارس : إن السور في مصحف عليّ كانت مرتبة على النزول ، فكان أوله سورة اقرأ باسم ربك ، ثم المدّثر ، ثم المزّمّل ، ثم تبّت ، ثم التكوير ، وهكذا إلى آخر المكي والمدني ، ولا حاجة بنا أن نتسع في استقصاء هذا الخلاف . أما ترتيب مصحف عثمان فهو نسق زيد بن ثابت . وهو صاحب العرضة الأخيرة ولعله كان ترتيب مصحف أبي بكر أيضا ، لما مرّ في الرواية عن زيد من أنه قابل بين الاثنين معارضة ، واللّه أعلم « 3 » . ولم يكن بعد انتشار المصاحف العثمانية وانتساخها على هيئتها إلا أن استوثقت

--> ( 1 ) وكان تقسيم المصحف ثلاثين جزءا زمن الحجاج . ( 2 ) هي عندهم من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة . ( 3 ) ويرجح أن ترتيب زيد الذي نقرأ به اليوم هو ما رضيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ما روي عن عوف بن مالك ، وعن حذيفة ؛ من أنه عليه الصلاة والسلام تهجد ذات ليلة فاستفتح فقرأ في نافلته البقرة وآل عمران والنساء ، والمائدة في أربع ركعات ، سور سورة على هذا النسق ، وهو الذي عليه ترتيب زيد . وهذا الخبر يظاهر ما ورد في معناه وانعقد به التصديق من أن ترتيب الآي إنما كان توقيفا منه صلّى اللّه عليه وسلم . ومن قصص زيد عن نفسه في تلك الرواية تعلم أنه كان يحفظ القرآن على ترتيبه آية فآية وسورة فسورة .